2011/11/08

لماذا لا يعتصم المسيحيون فى ميدان التحرير؟ المسيحيون بعد الثورة فى مفترق الطرق

يوم 8 مارس، ذهبت بميدان التحرير لأشارك فى مليونية المرأة، هى التى تحرش فيها رجال النظام الجديد السريين بالمتظاهرات… قبل انصرافى، طلب منى بعض الأصدقاء المسيحيين أن أصحبهم لاعتصام ماسپيرو، فاعتذرت وقلت لهم أنى عانيت من اضطهاد المسيحيين لى بسبب عدم قبولهم لحقى فى الخروج عن المسيحية، وأنى وإن كنت متعاطف ومتضامن مع المسيحيين فيما يتعرضون له من تمييز، إلا أنى غير قادر على التواجد فى وسط بشرى يفكر بطريقة عنصرية.
قبل الثورة كانت مظاهرات المسيحيين داخل الكنائس فقط، وهذا كان تصرف عاجز سخيف، بالضبط كمن يتظاهر فى بيته ضد الحكومة! بعد الثورة تشجع بعض النشطاء المسيحيون فى التظاهر خارج أسوار الكنائس، فظهرت مظاهرات شبرا واعتصامات ماسپيرو، وبدأ المسيحيين يذوقون ما كنا نذوقه يومياً من رجال الأمن والجيش من قنابل مسيلة للدموع وهراوات وذخيرة حية.
التضحيات التى قدمها المسيحيين فى الشهور التى تلت الثورة وحتى يومنا هذا تدل على رغبة الرأى العام المسيحى فى تغيير المسار، واختيار أساليب وأوضاع عامة جديدة تختلف عن الأوضاع التى كانت مستقرة فى عهد مبارك. ولكن الشعارات والخطاب السباسى وهيكلة التنظيمات المسيحية واختيار أماكن التظاهر والاعتصام، كل هذا يشير إلى انعدام الخبرة السياسية، واختيار السلوك فى طرق خاطئة ستضر المسيحيين أكثر مما ستفيدهم.
فى مقالى هنا، سأعرض بشكل تفصيلى لبعض مفترقات الطرق، وهى الخيارات التى على الشباب المسيحى اختيارها الآن، وهذه الاختيارات هى التى ستحدد إذا كنا سنصبح مثل أوروپا أم مثل العراق (فى التسامح الدينى أو الاقتتال الطائفى).

الاختيار الأول: هل المسيحيون مستعدون للتحرر من الكنيسة؟
منذ قيام حركة الضباط بانقلاب يوليو العسكرى، تعمدوا مصادرة الحياة العامة، فألغوا الأحزاب وصادروا الجرائد وانطلقت أجهزة مخابراتهم تطارد كل من يلقى قبولاً من الجماهير… فى ظل هذه الظروف، لم يجد المواطنين أماكن يمارسون فيها أنشطتهم الاجتماعية سوى دور العبادة، فصارت الكنيسة والمسجد هم النادى والكُتّاب والحضانة والنادى الأدبى والملتقى الثقافى والمنتدى السياسى والمؤسسة الخيرية وكل شىء. طبعاً هذا وضع غير طبيعى، وكأن على المواطنين ألا يقبلوه، ولكنهم صمتوا عنه ستة عقود إلى أن قرر جيلنا أن يثور ويتحدى نظام يوليو العسكرى.
قبل الثورة كنا نعانى من تدخل الكنيسة فى اختيار القرارات الشخصية للأفراد المسيحيين، وقد بلغ الكثير من المسيحيين فى عدم استقلال شخصياتهم وتبعتهم لرجال الكهنوت مبلغاً كبيراً، فهناك أشخاص يعلقون ارتباطهم بشريك حياتهم على موافقة أب الاعتراف، وواعظ الكنيسة ظل يلعب لعقود دوراً كبيراً فى توجيه عامة المسيحيين للتصويت للحزب الحاكم وعدم التصويت للمعارضة. وكثيراً أثناء نشاطى السياسى كان يعتذر لى أحد المسيحيين عن الانضمام لحزبى السياسى لأن أب اعترافه رفض ذلك. ووقت الانتخابات كانت تصلنى معلومات عن بعض القساوسة الذين يتسلمون من أمن الدولة قوائم بقاعدة بيانات المسيحيين الذين لهم حق التصويت، ليتصلوا بهم ويطلبوا منهم التصويت لصالح الحزب الوطنى. وكلنا يتذكر بيانات البابا شنودة والمجمع المقدس التى يبايع فيها الرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة، ويتغزل فى الديموقراطية والعدالة الاجتماعية التى يغرق المصريين فيها فى عهده (راجع مقالى: البابا شنودة وتاريخ طويل من نفاق الحكام)، وهو نفس الدور الذى كان يلعبه البابا كيرلس مع الدكتاتور جمال عبد الناصر فى الماضى (راجع مقالى: لماذا يحب المسيحيون عبد الناصر؟). وأخيرا وقت الثورة حينما أعطى شنودة لنفسه الحق لأن يتكلم باسم المسيحيين ويورطهم طائفيا حينما اتصل بمبارك يقول له ”احنا معاك، وأولادنا منزلوش فى المظاهرات“، ثم بعد سقوط مبارك راح يتملق المجلس العسكرى، ويأمر المسيحيين المعتصمين فى ماسپيرو لفض الاعتصام والرجوع لمنازلهم ليتركوا حقوقهم لتنهب على يد چنرالات الجيش. إن الكنيسة تتعامل على أنها وكيل عن المسيحيين، ووصى على أفكارهم (تحدد لهم ماذا يقرأون وماذا يعتنقون من أفكار)، وعلى مفوضة عن المسيحيين لحل مشاكلهم سواء بعقد تحالفات سياسية أو بجلسات صلح عرفية. وأعتقد أن النتيجة الطبيعية لهذا السلوك هو هذا التردى والمعاناة الذى يعانى منهم المسيحيين الآن.
التساؤل الآن: هل المسيحيين مستعدون للتفكير باستقلالية عن الكنيسة؟ هل سيظل المسيحى يستأذن من القسيس عن الحزب الذى يريد الانضمام إليه وعن الكتب التى يقرأها والأفلام التى يشاهدها والحزب الذى سيصوت له فى الانتخابات والمظاهرة التى سيتظاهر فيها؟ هل سيترك المتظاهرون المسيحيين اعتصامهم إذا أمرتهم الكنيسة بذلك؟ هل المسيحيون لديهم استعداد أن يتحولوا لأفراد مستقلين مشاركين فى المجتمع، بدلاً من الوضع السابق حينما كانوا قًصر تحت وصاية موظفى السماء؟ هل المسيحيين لديهم استعداد أن تكون الكنيسة مكان للعبادة فقط وأن يكون رجل الدين رجل صلاة فقط، دون أن تحشر الكنيسة نفسها ورجالها فى غير أمور الدين؟ هل النشطاء المسيحيين لديهم استعداد أن يواجهوا رجال الكنيسة الأمنيين والمخابراتيين وعملاء النظام الذى زرعهم نظام يوليو داخل الكنيسة، ويطهروا الكنيسة من رجاسات الحكم العسكرى؟

الاختيار الثانى: هل المسيحيين لديهم استعداد للاندماج فى المجتمع اندماجاً فعلياً؟
زارنى القس فيلوپاتير فى سجنى مرتان، وهو رجل أحترمه كثيراً، وقد طلبت منه أكثر من مرة أن تكون اعتصامات المسيحيين فى التحرير وليس ماسپيرو، لأن اعتداء الجيش على ماسپيرو هو اعتداء على المسيحيين، بينما اعتداؤه على التحرير سيُنظر إليه على أنه اعتداء على الثورة وعلى مصر. ولا أعلم لماذا لم يستجب لرأيى إلى يومنا هذا.
فى الواقع، هناك نوع من الإصرار المسيحى على أن يكونوا كيانات مستقلة خاصة بهم منفصلة عن المجتمع. ربما كان السبب ذلك تعليمات الإنجيل ”لا تشاكلوا أهل هذا الدهر“، ”لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين“… فهم يصرون على أن يكون هناك اعتصام خاص بهم منفصل عن اعتصام التحرير (وكأن ماسپيرو للمسيحيين والتحرير للمسلمين والملحدين – مع ملاححظة أن الإسلاميين لم ينطووا ولم ينعزلوا كما فعل المسيحيين وإنما ركزوا اعتصاماتهم ومظاهراتهم فى التحرير)، وفى اعتصام ماسپيرو، هناك الصلبان والصور الدينية، ويقود الاعتصام رجال دين يستخدمون خطاب دينى… كل هذا يخلق مناخ يجعل على غير المسيحى أن يتواجد ويتعايش فيه (جرعة كبيرة جداً من الدين).
وبخلاف الاعتصام، هناك تركيز مسيحى على الفضائيات المسيحية، رغم أن الفضائيات المدنية تحوى ملعومات أقيم وأفيد من الناحية السياسية. وهناك تركيز أيضاً على المنظمات الحقوقية أو الأحزاب التى أسسها مسيحيون، رغم أن المنظمات الحقوقية المدنية أكثر خبرة وجدية ونزاهة فى الدفاع عن الحريات اليدنية الوعامة، والأحزاب المدنية أكثر جدية وخبرة وعقلانية فى التعاطى مع الواقع السياسى. نفس الشىء يقال عن حركة او اتحاد شباب ماسپيرو، ما الداعى لتأسيس كيان منفصل ينحصر فيه المسيحيين بينما لا يتواجدون فى باقى الحركات السياسية. أنا هنا لا أتكلم عن التخصص وإنما عن العزلة، فنحن فى حركة لا للتجنيد الإجبارى، أسسنا حركة متخصصة فى نقطة معينة، لكننا منفتحون على الحياة العامة وشاركنا فى أحزاب وحركات وتنظيمات مختلفة، ولم ننعزل داخل تنظيمنا… كشخص شارك بكثافة فى العديد من الأحزاب والتنظيمات السياسية، أرى أن المسيحيين فى حاجة للمشاركة فى التنظيمات المدنية والاندماج فيها أكثر من حاجتهم لإنشاء كيان تشوبه تهمة الطائفية، وكلنا نتذكر أن ملف حقوق المسيحيين فى مصر طالما أناره مصريين غير مسيحيين مثل سعد الدين إبراهيم ورفعت السعيد وفرج فودة وكريم عامر وغيرهم، وكانت تأثيراتهم أكثر واقعية من تأثيرات النشطاء المسيحيين (لا أريد ذكر أسماء)، بل أنهم دفعوا من حياتهم وصحتهم وحريتهم تضحيات أكثر من كثيرين من النشطاء المسيحيين.
التساؤل الآن: هل المسيحيين مستعدون للاندماج فى المجتمع أم سيظلون فى عزلتهم وفى وطنهم الموازى ودولتهم داخل الدولة وعالمهم الافتراضى من الفضائيات والتنظيمات الدينية منعزلين عن مجتمع متغير تعصف به متغيرات سياسية واجتماعية كل لحظة؟ هل المسيحيين مستعدون أن يشاركوننا همومنا كمواطنين غير مسيحيين كما نشاركهم نحن همومهم التى لا تلحق بنا أى ضرر مباشر؟ هل المسيحيين يريدون النموذج العراقى واللبنانى ليكون هناك حزب مسيحى ومرشح مسيحى وميليشيات مسيحية ومقاطعات مسيحية وفيدرالية مسيحية؟ أم يريدون دولة المواطنة والتعايش والاندماج والتآخى؟ هل ستظل التنظيمات السياسية المدنية متعطشة لمشاركة المسيحيين المحجمين عن الحديث إلا عن دور العبادة وخطف الفتيات وكأن مصر ليس بها إلا هتين المشكلتين؟ هل المسيحيين لديهم استعداد لأن يتركوا ماسپيرو ويعودوا إلى حضن الوطن فى ميدان التحرير؟

الاختيار الثالث: هل المسيحيين يريدون دولة مدنية حقاً؟
ما الفرق بين الإخوان المسلمون الذين يرفعون شعار ”الإسلام هو الحل“ ومظاهرات المسيحيين التى ترفع الصلبان والتوانى (ملابس الصلاة) وصور المسيح والقديسين؟… لا شىء… ما الفرق بين الإخوان والسلفيينن الذين يتمسكون بتطبيق الشريعة الإسلامية، ورجال الكنيسة والشباب المسيحيى الذى يتمسك بتطبيق الشريعة المسيحية فى قضايا الأحوال الشخصية ويصادر حق الأفراد المسيحيين فى الطلاق والزواج؟… لا شىء… ما الفرق بين الدراويش الإسلاميين الذين لا يفكرون إلا فى العالم الآخر، ويحصرون أنفسهم بين القراءات الدينية وشرائط الدعاة وفضائيات الناس وأمثالها، وبين الدراويش المسيحيين الذين ضحوا بالحياة الدنيا من أجل الملكوت، ويحصرون أنفسهم بين كتب البابا شنودة وعظات القساوسة وزيارات الأديرة وفضائيات أغاپى والكرمة وأخواتهم؟… لا شىء أيضاً.
هناك فرق كبير من أن تتبنى خطاباً مدنياً وبين أن تتبنى خطاباً فاشياً تحارب به فاشية دينية أخرى. هناك فرق بين أن يطالب المسيحيين بحرية العبادة، وبين أن يطالبوا بحرية بناء الكنائس… هناك فرق بين أن يطالب المسيحيين بحرية اعتناق وتغيير الأديان، وبين أن يطالبو بحرية التبشير بالمسيحية بينما يدافعون عن قتل الفتاة المسيحية التى تتزوج شاباً مسلمياً… فى الدولة المدنية من حق المسيحى والمسيحية أن يتزوج من غير المسيحى… فى الدولة المدنية من حق الأفراد الخروج عن المسيحية بحرية، وعلى الدولة أن تعاقب من يضطهدهم بسبب ذلك… فى الدولة المدنية لن يتم سجن ابو إسلام أحمد بتهمة ازدراء الدين المسيحيى، ولن تتحيز الدولة مع أو ضد زكريا بطرس أو محمد عمارة… فى الدولة المدنية لا حصانة ولا قداسة (رجال الدين) فالبابا والأساقفة سيصيرون مواطنين عاديين، من المقبول القبض عليهم واستجوابهم ومحاكمتهم وسجنهم أو البابا لن يكون كما الآن يعامل بروتوكولياً معاملة رئيس الوزراء، ولن تتمتع الكنيسة بالامتيازات القانونية والمادية من نوعية الامتيازات فى النفقات واعتبار رجال الكهنوت موظفين عموميين وإعطائهم حق احتكار تسجيل عقود الزواج لكل من مكتوب فى بطاقته ”مسيحى“ حتى لو لم يكن يؤمن بالمسيحية. فى الدولة المدنية لا توجد خانة ديانة فى البطاقة، حيث يتم التحول الدينى بمجرد إيمان الشخص بالإيمان الجديد دون جلسان نصح وأمن دولة ووصاية من كل جربوع يحشر نفسه فى اعتقادات الأفراد الآخرين.
التساؤل الآن: هل المسيحيين الآن يريدون دولة مدنية أم تعبير ”الدولة المدنية“ لديهم يعنى ”الدولة الغير إسلامية“؟ هل المسيحيين مستعدون لفصل حقيقى بين الدين المسيحى والتشريع والقرارات السياسية؟ هل المسيحيون مستعدون أن يعيشوا فى دولة بلا خانة ديانة، وبقانون أحوال شخصية مدنى موجد، وفى ظل حريات دينية تسمح للمواطنين بالدخول والخروج من المسيحية بحرية؟ هل المسيحيين مستعدين لتبنى خطاب مدنى ويتوقفوا عن مخاطباتنا بآيات إنجيلهم الذى لا نؤمن به ولا نقدسه؟ هل المسيحيين مستعدين أن تخلوا مظاهراتهم من الشعرارات الدينية ويتبنون شعارات مدنية تقدمية حداثية تساعد غير المسيحيين على الاندماج فيها؟ هل المسيحيين مستعدون أن تعامل الدولة رجال الدين المسيحيى كمواطنين عاديين بلا حصانة، وأن يتم معاقبتهم حينما يخالفوا القانون أو يعتدوا على أراضى الدولة؟ هل المسيحيين مستعدون أن يقبلوا حق الأفراد فى نقد المسيحية بدون أن يصادروا حرية الرأى والتعبير؟ هل فى الأحداث الطائفية سيستمر المسيحيين فى اللجوء لأبونا وسيدنا والبابا والشماس والأخ، أم سيلجأون للحزب ومنظمة حقوق الإنسان والنقابة الوجمعية الأهلية والمحكمة والمجلس المحلى؟

الاختيار الرابع: هل المسيحيون مستعدون أن يعترفوا أن للآخرين حقوق أيضاً؟
الإشكالية الحقيقية التى تواجه الأقليات هى عدم إدراكهم أن الحقوق لا تنقسم. فحينما تعطى للمواطنين حقاً، فالجميع يتمتع بالحق بالتساوى، وليس ممكناً إعطاء مجموعة مواطنين وضعاً متميزاً عن غيرهم. فحينما يكون هناك قانوناً موحداً لبناء دور العبادة، فإن هذا القانون سيتمتع به ماكس ميشيل وغيره من المنشقين عن الكنيسة الذين صادر المسيحيين حقهم فى العبادة مثل المورمون وشهود يهوة و الأدڤنتست، وبالطبع البهائيين والملحدين واليهود والبوذيين وغيرهم، فهل المسيحيين مستعدون لقبول ذلك؟ وحينما تمنع المسيحيين حق التبشير بالمسيحية، فأنت فى نفس الوقت ملزم أن تعطى نفس الحق للمسلمين واليهود والبهائيين والملحدين وغيرهم، فهل المسيحيين لديهم استعداد لقبول هذا الواقع أم سيستمرون فى مسلسلات تشويه السمعة الادعاء أن هذا مأجور وهذا يهوذا وهذا ترك المسيحية من أجل المال أو الجنس أو الشهرة؟ وحينما تمنح الدولة مواطنيها حرية الرأى والتعبير، فكما سيتمتع بها زكريا بطرس ومكارى يونان، سيتمتع بها كل من ينقدون المسيحية مهما كانت معتقداتهم (ملحدين، مسلمين، يهود…)، وحينما لن يكون من حق المسيحيين المطالبة بعدم طباعة وتوزيع ”شفرة داڤنشى“ او مصادرة ”فتنة التكفير“ أو وقف عرض ”بحب السيما“ أو محاربة ”عزازيل“، فهل المسيحيين لديهم استعداد لقبول ذلك؟
مشكلة الأقليات أنها تتحوصل حول نفسها، فالأقليات ترحب بانضمام الآخرين إليها لأن هذا سيساعدها على البقاء، وفى نفس الوقت تفزع من خروج أعضائها منها لأن هذا يعرضها للانقراض. ولهذا السبب تخشى كل الأقليات الدينية والعرقية واللغوية من المساس بهويتها، وتحاول التأكيد المستمر على ثقافتها ولغتها وتقاليدها، وتفزع من انشقاق أفرادها عنها وترغب فى مصادرة حقهم فى الخروج منها. طبعاً نحن لدينا فى مصر وضع شاذ جداً، وهو أن الأغلبية المسلمة تتصرف كأقلية أيضاً، ولكن ليس هذا هو موضوعنا الآن. الذى أريد أن أقوله أن عدم قبول الأقليات بالدولة المدنية هو شىء عانت منه كل الأقليات فى العالم (ولليهود فى أوروپا تجربة متميزة فى تحدى ذلك الطابع القبلى للأقليات)، ولكن كل أقلية حول العالم فى مرحلة معينة من التاريخ كان عليها أن تختار بين الدولة المدنية والاندماج فى المجتمع من ناحية، وبين العزلة والهجرة والتقوقع والمحاصصة من جانب آخر، واختيارات الأقليات وقدرة الأغلبية على استيعاب الأقليات، هما العوامل التى تحدد إذا كانت الدولة ستتقدم أم ستتأخر، وإذا كانت الدولة فى طريقها للرفاهية أم للحرب الأهلية؟
التساؤل الآن: هل المسيحيون مستعدون أن يتمتع الآخرون بنفس الحقوق التى يريدون أن يتمتعوا بها؟ هل المسيحيون يقبلون أن تكون مصر وطناً للمسلمين والمسيحيين واليهود والملحدين والبهائييين والبوذيين، مسيحى ماكس ميشيل والأدڤنتست وشهود يهوة، أم يسظلون يرددون أنهم المصريين الأصليين وأن الكنيسة الخاصة بهم هى الكنيسة الوطنية وأن الآخرين ضيوفاً حلوا عليهم؟ هل المسيحيين مستعدون أن يقبلوا حق الأفراد المسلحيين فى الطلاق والزواج المدنى، وفى الخروج عن المسيحية، وفى تأسيس طوائف مسيحية جديدة، وفى طوح رؤى دينية مخالفة للرؤية الكنسية الرسمية (ملف متى المسكين كنوذج)؟ هل المسيحيين مستعدون للتسامح والتعامل بشكل هادئ مع الأعمال الأدبية والآراء التى تنتقد معتقداتهم، أو تتناول التراث المسيحى بالنقد والتحليل والدراسة؟ هل المسيحيين مستعدون أن يقفوا ضد الفرد المسيحى الذى يتخطى حدوده ويتعدى على حقوق أفراد الجماعات الدينية الأخرى، أم سيظلون يتعاملون بأسلوب قَبَلى من نوعية ”أنا وأخويا على ابن عمّى، وأنا وابن عمّى على الغريب“؟

خاتمة:-
هذا المقال لم يكن نوعاً من الهجوم او التجريح فى المسيحيين، ولا نفياً لمطالبهم المشروعة، ولا تعاطفاً مع أى فاشية تصادر حقهم فى الحياة والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. ما كتبته فى هذا المقال كان تعاطفاً مع المسيحيين كأقلية دينية تعانى من أوضاع غير عادلة (مثلها مثل باقى فصائل المجتمع)، وبما أنى لمست من خلال الأحداث الأخيرة رغبة صادقة من النشطاء المسيحيين فى المشاركة فى الزخم السياسى لتغيير الأوضاع الظالمة، فأردت أن أقدم ورقة بحثية تساعد النشطاء المسيحيين على نقد الذات ورؤية الأوضاع من أكثر من جانب ومحاولة تطوير الخطاب والآليات لتحقيق نجاح أكبر.
بإمكان المسيحيين أن يصفونى بيهوذا والمرتد والمأجور والتطرف وغيرها من الأوصاف التى اعتدت على سماعها منهم. وبإمكانهم أن ينسوا كاتب المقال ويزفوا كلامى بعقولهم وسيستفيدوا منه لتحسين أوضاعهم. ومن له أذنان للسمع فليسمع.

موضوعات ذات صلة:
- أقباط أم مسيحيين؟
- لماذا يشكو المسيحيين من الاضطهاد؟
- ثقافة القبيلة
- لماذا يحب المسيحيين عبد الناصر؟
- البابا شنودة وتاريخ طويل من نفاق الحكام

مايكل نبيل سند
سجن المرج العمومى – مستشفى السجن
2011/10/12

No comments: