2011/08/27

أنا الثور الأبيض

ليس دفاعاً عن نفسى، وإنما دفاعاً عن حرية التعبير

      يعرف معظمنا القصة التراثية الشهيرة التى تكمن عن الذئب والثيران الثلاثة… فالذئب الذى يعرف أنه لن يستطيع الهجوم على الثلاثة ثيران وهم متحدين، فقرر أن يفرقهم ليستطيع افتراس كل ثور بمفرده… كانوا ثلاثة ثيران: ثور أبيض وثور أحمر وثور أسود… ذهب إليهم بابتسامة وديعة، وادعى أنه تاب عن افتراس الحيوانات، وهم بسذاجتهم قرروا أن يعطوه فرصة جديدة… بعد أيام كان يجلس مع الثوران الأحمر وألأأسود ليشكى لهما من الثور الأبيض ذو اللون الواضح الذى يلفت نظر الصيادين، وطلب منهما أن يسمحا له بافتراس الثور الأبيض من أجل مصلحة القطيع… فسمحا له وسلما أخيهما للذئب فافترسه… بعد أيام كان الذئب يجلس مع الثور الأسود يشكى ظهور لون الثور الأحمر، ويستأذن افتراسه من أجل مصلحة القطيع، والثور الأسود وافق بسذاجة… بعدما افترس الذئب الثور الأحمر لم يتبقى سوى الثور الأسود بمفرده، فهجم عليه الذئب ليفترسه… حينها بكى الثور الأسود وهو يقول: ”لقد مُت حينما تركناك تأكل الثور الأبيض“.
سياسة ”فرّق تسُد“ ليست سياسة جديدة، ولكن يبدو أننا لا نكتفى من أن نلذع من نفس الحجر مرتين فقط… فالطاغية الذى يعلم جيداً أنه لن يستطيع أن يقمع شعبه متحداً، فيبدأ فى التمييز بين أفراده ليقسمهم على بعض. يقسمهم إلى مؤمنين وكفار، عرب وبربر، أقلية وأغلبية، رجال دين وعامة، ذكور وإناث… المهم أن يتفتت المجتمع، ويقوم القطيع بتسليم أعضاؤه للسياف، لمجرد أنهم مختلفون، وهذا كله تحت خديعة ”مصلحة المجتمع“.
      قصة الثلاثة ثيران هى نفسها قصة ثورتنا. فالعسكر أدركوا أنهم لن يستطيعوا أن يقمعوا ثورتنا، فجاؤوا إلينا بدموع التماسيح ليدعوا أنهم خرجوا من عباءة الدكتاتور وأنهم لن يكرروا تاريخهم الأسود مع شعبنا… كثير من الثوار ابتلعوا الطعم بسذاجة وسمحوا للعسكر أن يأكلوا الثور الأبيض والأحمر، والدور سيأتى عليهم يوماً.
      لقد سقطنا جميعاً حينما سمحنا للعسكر أن يعقدوا محاكمات عسكرية جائرة لمدنيين تحت مسمى أنهم بلطجية… سلمنا أخوتنا للعسكر ونحن مخدوعين بعبارة ”من أجل مصلحة المجتمع“… وبعد شهور اكتشفنا أن أولئك البلطجية كان بينهم ثواراً كثيرين، ومن سلمهم هم ثوار أيضاً… واستمر مسلسل العسكر الدنىء ”لا تدافع عن هذا فهو مغتصب“، ”هذا بلطجى يستحق محاكمة عسكرية“، ”هذا ليس ثائراً حقيقياً“، ”6 ابريل تدرب فى الخارج“، ”الحقوقيين ممولون من الخارج“، ”الثوار الحقيقيون عادوا لبيوتهم ليشاركوا فى بناء الوطن“… إلى آخر العبارات الشيطانية التى تتلخص فى أنها تدعوك أن تتخلى عن الحق والعدالة لمجرد أن الآخر مختلف.
      أنا أيضاً كنت ثوراً أبيضاً… فبمجرد القبض علىّ، بدأت المخابرات والشئون المعنوية فى إقناع الثوار أن يتخلوا عنى لأنى مختلف… ”أبعدوا عنه، إنه ملحد“، ”له علاقات مشبوهة بإسرائيل“، ”لقد ظهر على التليفزيون الإسرائيلى“، ”هو نفسه لا ينكر ذلك على مدونته“… إلى آخر هذا الهراء النازى الذى ينتمى بلا شك لمدرسة جوبلز – رضى إبليس عنه.
      لكن هل حاكمنى الجيش بسبب علاقتى بإسرائيل؟ هل اتهمنى أحد العسكريين الشرفاء بأى تهمة لها علاقة بإسرائيل؟ لم يحدث إلى يومنا هذا، فعلى الرغم من أن الجيش قبض علىّ 3 مرات (13/11/2010، 4/2/2011، 28/3/2011)، وعلى الرغم أنى دخلت المخابرات الحربية مرتان (4/2، 28/3) إلا أن أحداً لم يسألنى حتى ولو سؤالاً واحداً عن إسرائيل.
      الجيش اتهمنى بنشر الشائعات وإهانتة الجيش فى مقالين هما ”قصة يومان قضيتهم فى المخابرات المصرية“ و”الجيش والشعب عمرهم ما كانو إيد واحدة“… وإسرائيل لم تأتى سيرتها تقريباً فى قضيتى… الجيش كل ما ضايقه أن يقرأ الناس عن انتهاكاته تجاه الثوار، الجيش يكترث ققط لسمعته ولخضوع الجميع لجهاز الدعاية النازى ”الشئون المعنوية“… إذا كانت إسرائيل لها علاقة بقضيتى فلماذا لم يتهموننى بالتجسس أو بالتخابر؟ لماذا لم يسألوننى ولو حتى سؤالاً واحداً عن أصدقائى الإسرائيليين؟ ألا يعتبر هذا فى حد ذاته شهادة من الجيش والمخابرات أنى نظيف ولا يوجد شىء غير قانونى بخصوص علاقتى بملف السلام مع إسرائيل؟

      ولكن دعنى أعترف لكم بشىء… نعم الجيش حاكمنى أساساً لأنى أفضح انتهاكاته، لا بسبب علاقة مشبوهة مع إسرائيل، لكن إسرائيل كانت سبباً رئيسياً فى قضيتى حتى لو لم يذكرها الجيش فى التحقيقات… أليست تصرفات الجيش الغير سليمة نحو إسرائيل انتهاكات تجاه شعبنا؟ ألا يكون من يطلع على هذه التصرفات القميئة خطراً على سبوبة العسكر؟ نعم إسرائيل كانت سببا لسجنى، ولكن ليس بسبب شىء اقترفته أنا، وإنما لأنى أعرف ما اقترفه العسكر مع إسرائيل.
      أثناء حرب غزة 2008 (الرصاص المصبوب)، قام سلاح الجو الإسرائيلى بقصف مناطق داخل الأراضى المصرية وقتل مجند مصرى… ثار الشعب المصرى وقتها على الجندى المصرى الذى مات على يد الطيران الإسرائيلى، ولكن هل حقاً قتله الإسرائيليون؟ إيهود أولمرت (رئيس وزراء إسرائيل وقتها) صرح وقال ”لقد استأذنا من مصر قبل القصف، ومصر وافقت على توقيت وموقع القصف“، ولم تكذب مصر تصريح أولمرت… فالجيش الإسرائيلى أبلغ الجيش المصرى بموعد وتاريخ القصف، والجيش المصرى وافق وصرح لهم، لكن لم يكترث جيشنا الهمام أن يعطى أوامر للمجندين إجبارياً (المجند ببلاش) بالانسحاب قبل الضرب، فمات هذا المجند ضحية إهمال قيادات جيشنا… قولوا لى: من قتل هذا الجندى؟ هل الجيش الإسرائيلى مطلوب منه أن يصلح أخطاء وإهمال جيشنا؟ دعكم من هذه القصة، تصريحات أولمرت لم تنشر فى أى صحيفة مصرية (لأن صحفنا تحت سيطرة الشئون المعنوية)، والشعب المصرى يظن أن إسرائيل هى من قتلت هذا الجندى، وأمثالى ممن يتابعون الصحافة الإسرائيلية يُعدون على أصابع اليد الواحدة، ألا أكون إذن خطراً على الفاسدين فى الجيش؟ ألا يكون واضحاً هنا كيف أن متابعتى للصحافة الإسرائيلية خطر على قيادات الجيش، بينما هى صالح الشعب المصرى؟
      بعد سقوط حكومة أحمد شفيق، بدأ الثوار فى اقتحام مقرات مباحث أمن الدولة… من اقتحموا المقار الرئيسية بمدينة نصر وجدوا مكتب للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) داخل مقر مدينة نصر… هذه معلومة لا تمس الجيش بالمناسبة لكل من دخلوا وشاهدوا المكتب بأعينهم… ولكن إذا أضفنا معلومتين مهمتين على هذه المعلومة: الأولى أن جهاز أمن الدولة كان يعمل تحت إشراف المخبارات الحربية، وأن كل مقر لأمن الدولة كان به ضابط مخابرات يتابع العمل فيه… المعلومة الثانية أن هناك اتفاقية تبادل استخباراتى بين الCIA وإسرائيل، أى أن كل معلومة تصل إلى الCIA يتم إرسالها أوتوماتيكياً لإسرائيل… فلنضع الثلاث معلومات معاً ونرى النتيجة… المخابرات (التى هى جزء من الجيش) تشرف على أمن الدولة، أمن الدولة به مقر للCIA ومن خلاله يحصل الأمريكيين على معلومات أمن الدولة، ثم يسلم الCIA المعلومات للموساد… يا حلاوة يا ولاد! يعنى الموساد عنده نسخه من ملفى وملفك اللى كانوا فى أمن الدولة… وإن المخابرات عارفة دة ومساهمة فيه عادى… وعايزين مايكل نبيل اللى يعرف الكلام دة ميتسجنش؟
      آخر مقال كتبته قبل القبض علىّ كان بعنوان ”فى أى جانب تقف إسرائيل؟“ بنتقد فيه وقوف حكومة نتانياهو ضد ثورتنا… فى المقال دة ذكرت ان فيه سياسيين وعسكريين إسرائيليين كتير زاروا مصر بعد الثورة، وكلهم قابلوا أعضاء المجلس العسكرى أكتر من مرة، وطبعاً الإعلام المصرى مبيجيبش سيرة، وأنا بعرف من خلال الإعلام الإسرائيلى… مين بقى اللى ليه علاقات مشبوهة بإسرائيل؟ اللى كلامه كله فى النور ولا اللى لقاءاته فى السر؟ بيخبوا علاقتهم بإسرائيل ليه؟ ولما اكتشوا ان فيه حد يعرف العلاقة دى متوقعين انهم يعملوا حاجة غير انهم يسجنوه؟ مين بقى العميل والمشبوه؟
      من أسابيع بسيطة صرح نتانياهو أن طنطاوى وعده أن مفيش حاجة هتتغير فى علاقة مصر بإسرائيل… طيب وعده امتى وفين؟ المقابلة اتقال فيها ايه كمان؟ ايه المقابل؟ هل المقابل ان إسرائيل تدعم الحكم العسكرى فى مصر؟ وبعد كدة بيخوّنوا الشباب اللى فى التحرير!
      أمين المهدى (الكاتب السياسى المرموق) فى مقالة بعنوان ”مصر والخروج من حذاء صينى قديم – الجزء الأول“ يروى عن علاقة المخابرات العامة المصرية بالموساد الإسرائيلى، وذكر معلومات عن وجود خط ساخن مفتوح بين عمر سليمان والموساد، وذكر اسم الضابط الإسرائيلى المسئول عن هذا الخط الساخن… عمر سليمان نفسه الذى كان حماس تشكو من أنه يقبض على ناشطيها ويعذبوهم ليحصل على معلومات عن حماس، ليسلمها بيده للموساد… وطبعاً عمر سليمان لم يكن لديه وقت للتعذيب بنفسه، وإنما يقوم بذلك صغار الضباط الشرفاء فى المخابرات العامة… وفى النهاية يقولون عن أنى عميل ومشبوه… يا أخى أحا!
عموماً، ليس هذا مقال عن علاقة الجيش المصرى بإسرائيل (فهذها موضوع يطول الحديث فيه) وإنما هذا مقال عن حرية الرأى والتعبير… نهم أنا أدعم السلام مع إسرائيل، ولكن هذا رأياً وليس فعلاً… الجيش هو من يقوم بالأفعال، الجيش هو من يصدر الغاز وليس أنا… الجيش هو من شارك فى صياغة معاهدة السلام وليس أنا… كل ما فعلته أنا هو أنى أؤمن بمجموعة من الآراء التى قد أغيرها بوماً.
أنا سلمى (pacifist)، مناهض للعسكرية (anti-militarist)، وهذا يعنى أنى عدو لكل العسكريين وكل أجهزة المخابرات مهما كانت جنسيتها… فأخبرنى بعقلك: كيف يكون لى علاقة بأى جيش إذا كانت أيديولوجيتى تجعلنى عدو لكل الجيوش؟
أنا لا أكتب مقالى هذا لأدعوك للدفاع عنى، وإنما للدفاع عن حرية الرأى… أنا الثور الأبيض، فإن تركتنى ستكون أنت التالى… البعض تخلى عنى، فحاكم الجيش الكثيرين بعدى: بثينة كامل، نبيل شرف الدين، حسام الحملاوى، رشا عزب، وآخرون… لا تسمحوا للعسكر أن يخوّنونا كما فعلوا معى ومع البرادعى ومع 6 ابريل… إذا بدأ تيار التخوين، فلن ينجوا منه أحد… لندافع معاً عن حرية الرأى والتعبير، لنرفض معاً المحاكمات العسكرية للمدنيين، لنرفض معاً السجن فى قضايا النشر، لنرفض معاً المحاكمات السرية، لنرفض معاً حكم العسكر وأى سلطة للعسكريين على المدنيين…
فلنردد معاً مقولة ڤولتير:
      ”قد أختلف معك فى الرأى، لكنى مستعد أن أدفع حياتى ثمناً لحقك فى التعبير عن رأيك“

                        مايكل نبيل سند
                        عنبر 2 ع
                        13/8/2011

1 comment:

Anonymous said...

i couldn't agree more